ابن العربي
658
أحكام القرآن
إلا البلاغ ، فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين . أمّا عقاب التولية والمعصية فعلى المرسل لا على الرسول . الآية الرابعة والعشرون - قوله تعالى « 1 » : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ : فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها : روى البخاري عن أنس قال « 2 » : كنت ساقى القوم في منزل أبى طلحة ، فنزل تحريم الخمر ، فأمر « 3 » مناديا ينادى ؛ فقال أبو طلحة « 4 » : اخرج فانظر ما هذا الصوت ؟ قال : فخرجت ، فقلت : هذا مناد ينادى : ألا إن الخمر قد حرمت . فقال لي : اذهب فاهرقها ، وكان الخمر من الفضيخ « 5 » . قال : فجرت في سكك المدينة . فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم . قال : فأنزل اللّه تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا . . . - إلى قوله : الْمُحْسِنِينَ . وقد روى نحوه صحيحا عن البراء أيضا . المسألة الثانية - نزلت الآية فيمن شرب الخمر ، ثم قال فيه : إذا ما طعموا ؛ فكان ذلك دليلا على تسمية الشراب طعاما ، وقد قدّمنا ذلك في سورة البقرة . المسألة الثالثة - قوله تعالى : إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . إلى : الْمُحْسِنِينَ . اختلف فيها على ثلاثة أقوال : الأول - اتقوا في اتّباع الأمر واجتناب النهى ، واتقوا في الثبات على ذلك ، واتقوا في لزوم النوافل ؛ وهو الإحسان إلى آخر العمر . الثاني - اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ، ثم اتقوا في الذي بقي من أعمارهم ، فاجتنبوا العمل المحرم .
--> ( 1 ) الآية الثالثة والتسعون . ( 2 ) أسباب النزول : 120 ، والقرطبي : 6 - 293 ( 3 ) أمر : أي النبي . ( 4 ) البخاري : 126 ، وابن كثير 93 . ( 5 ) الفضيخ : شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار ، والمفضوخ هو المشدوخ .